زكريا القزويني
142
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
وقال ابن سينا : خصيته تنفع من نهش الهوام مجرب لريح أم الصبيان إذا سقي قدر حبة الجلبان ، وجلده يتخذ منه جورب يلبسه المنقرس يزول عنه بإذن اللّه ، واللّه الموفق . ( كوسج ) صنف من السمك معروف ، طولها مقدار ذراع لها أسنان كأسنان الناس ، يضرب بها الحيوان يقطعه وأكثرها بقرب البصرة . قال الجاحظ في جوف الكوسج : شحمة طيبة يسمونها الكبد ، فإن اصطادوا هذه السمكة ليلا وجدوا هذه الشحمة وافرة ، وإن اصطادوها نهارا لم يجدوا تلك ، وقد مر ذكر كوسج في بحر فارس فلا نعيده . ( النظر الخامس : في كرة الأرض ) الأرض جسم بسيط طباعه أن يكون باردا يابسا متحركا إلى الوسط ، زعموا أن شكل الأرض كرة ، والقدر الخارج من الماء جذبته ؛ لأن القوم اعتبروا خسوفا واحدا فوجدوه في البلاد الشرقية والغربية مختلف الأوقات . فلو كان طلوع القمر وغروبه في وقت واحد بالنسبة إلى الأماكن لما اختلف ، وإنما خلقت باردة يابسة للغلظ والتماسك « 1 » ؛ إذ لولا ذلك لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها وجذوب المعادن والنبات في بطنها ، وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن اللّه تعالى .
--> ( 1 ) فكر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكدة ؛ لتكون وطاء ومستقرّا للأشياء ، ويتمكن الناس والأنعام من السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحتهم والنوم لهدوئهم والإتقان لأعمالهم ، فإنها لو كانت رجراجة منكفئة لم يكونوا يستطيعمون أن يتقنوا البناء والنجارة والحدادة والصياغة والحياكة ، بل كانوا لا يتهنون بالعيش ، والأرض ترتج من تحتهم واعتبر ذلك بما يصيب الناس من الزلازل على قلة مكثها حتى يصيروا إلى ترك منازلهم والهرب عنها ، ومن التدبير الحكيم أن ترابها ليس يبسا كالحجارة ؛ لتصلح للزرع والنبات والحرث وغيرها ، قال تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وقال تعالى أيضا : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . ومن التدبير الحكيم في خلقه الأرض أن مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب ، وما كان ذلك إلا لتنحدر المياه على وجه الأرض ؛ فتسقيها وترويها ، ثم تفيض إلى البحر آخر ذلك ، فكلما يرفع أحد جانبي السطح ويخفض الآخر ؛ لينحدر الماء عنه ، ولا يقوم عليه فيفسد كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب ، ولولا ذلك لبقي الماء متحيزا على وجه الأرض فمنع الناس من أعمالهم وقطع الطرق والمسالك . انظر : الدلائل والاعتبار ( 15 ) .